الثعلبي
123
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قال : يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم ( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) . وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ أي قم بعد نومك وصل . قال المفسرون : لا يكون التهجد إلّا بعد النوم يقال : تهجد إذا سهر ، وهجد « 1 » إذا نام . وقال بعض أهل اللغة : يقال تهجد إذا نام وتهجد إذا سهر وهو من الاضداد . روى حميد بن عبد الرحمن بن عوف : عن رجل من الأنصار إنه كان مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم في سفر وقال : لأنظرنّ كيف يصلي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : فنام رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ثمّ استيقظ فرفع رأسه إلى السماء فتلا أربع آيات من سورة آل عمران : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . . لَآياتٍ ثمّ أهوى بيده إلى القربة وأخذ مسواكا فاستنّ به ثمّ توضأ ثمّ صلى ثمّ نام ثمّ استيقظ ، فصنع كصنيعه أول مرة ، ويزعمون أنه التهجد الذي أمره الله تعالى « 2 » . نافِلَةً لَكَ قال ابن عبّاس : خاصة لك ، مقاتل بن حيان : كرامة وعطاء لك . ابن عبّاس : فريضتك . وقال : أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بقيام الليل خاصة وكتبت عليه ، ويكون معنى النافلة على هذا القول فريضة فرضها الله عليك فضلا عن الفرائض التي فرضها الله علينا زيادة . وقال قتادة : تطوعا وفضيلة « 3 » . وقال بعض العلماء : كانت صلاة الليل فرضها عليه في الابتداء ثمّ رخص له في تركها فصارت نافلة « 4 » . وقال مجاهد : والنافلة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم خاصة من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهو نافلة لك من أجل أنه لا يعمل ذلك كفارة لذنوبهم ، فهي نوافل له وزيادة للناس يعملون ويصلون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها فليست للناس نوافل . عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً . قال أهل التأويل : عسى ولعلّ من الله جزاء لأنه لا يدع أن يفعل لعباده ما أطمعهم فيه من الجزاء على طاعاتهم لأنه ليس من صفته الغرور ، ولو أن رجلا قال لآخر : اهدني والزمني لعلي أن أنفعك فلزمه ولم ينفعه مع إطماعه فيه ووعده لكان عارا له وتعالى الله عن ذلك ، وأما المقام المحمود فالمقام الذي يشفع فيه لأمته يحمده فيه الأولون والآخرون .
--> ( 1 ) الهجود النوم منه . ( 2 ) السنن الكبرى : 6 / 84 ح 10139 . ( 3 ) تفسير الطبري : 15 / 179 . ( 4 ) راجع تفسير القرطبي : 10 / 309 .